الجمعة 18 April 2014

 

فلا عدوان الا على الظالمين

الكاتب: 

 لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ? إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى? إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ ? وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ" (الممتحنة 9).

 
إسرائيل قامت على الظلم، ووصلت إلى أيامنا هذه ظلماً، وهي تعتقد أنها ستواصل وجودها بالظلم لهذا السبب اخترت الآية الكريمة "فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ" (البقرة 193) عنوانا لمقالتي هذه.
 
إن مجزرة غزة التي استمرت طيلة 22 يوما مودية بحياة مئات الأبرياء لم تكن الأولى كما أنها لن تكون الأخيرة. لقد أظهرت غزة نموذجا أسطوريا للمقاومة في وجه العدوان الإسرائيلي الغاشم الذي لا يقف عند حد وأثبتت غزة بأنها ـ وكما يُلهم اسمها ـ موطنا "للغزوة" و"للغازين".
 
إن القوة والعنف موجودان في طبيعة الحياة وهما أيضا اللذان يوجهان الغريزة في عالم الحيوان فالحيوانات المفترسة تصطاد مستخدمة هذه الغريزة والمقدرة التي تتمتع بها منذ الولادة. رغم هذا فإن أي نوع من الكائنات الحية لم يفنى بسبب القوة والعنف التي تمارسها الحيوانات على بعضها البعض. والكائن الوحيد الذي يقتل ما لا ولن يأكله أبدا هو الإنسان، كما أنه أيضا الكائن الوحيد الذي أوجد أسلحة بوسعها إبادة أضعاف من أبناء جنسه.
 
إن تقديس استخدام القوة والعنف ضد كل من ليس منا يستوجب غضب الله، وهذا ما فعله أبناء إسرائيل المهودين. وإن الاستبعاد القاطع لاستخدام القوة والعنف المقابلين لهو نفاق. ولقد فعلت هذا أيضا المسيحية البولصية (نسبة إلى بولص الطرطوسي) المتمثلة بمقولة "إذا ما صفعك أحدهم على خدك الأيمن فأدر له الأيسر" والتي ظهرت كردة فعل على اليهودية التي تبيح استخدام القوة والعنف بلا حدود أو رقابة ضد كل من ليس من نفس العرق أو الدين (غوييم). إلا أن المسيحية البولصية لم تكن أبدا صادقة لرسالة عيسى عليه السلام؛ فالحروب الصليبية ومحاكم التفتيش والحروب المذهبية التي استمر بعضها 30 و100 عام ارتكب خلالها المجازر والحربين العالميتين الأولى والثانية اللتان راح ضحيتهما 60 مليون إنسان وبلاء النازية الذي أهدى لغة البشرية مفردة "إبادة" وأسلحة الدمار الشامل التي خرجت من العالم المسيحي كلها تثبت ذلك.
 
لا يمجد القرآن الكريم، الوحي الأكمل والأخير للإسلام، القوة والعنف كما لا ينفيهما. إن الذلة والمسكنة تليقان بالتصوف الهندي وليس بالإسلام، والقرآن الكريم الذي يقول بأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين لا يُنحّي القوة بل ينحي استخدامها بشكل غير أخلاقي. وتحمل القصص التي يرويها لنا بعض "الأدوار والنماذج" لأولي القوة والنفوذ كقصص يوسف عليه السلام وطالوت وداود وسليمان عليهما السلام وذي القرنين. وبعض هذه الشخصيات ملوك وبعضها أنبياء والقرآن الكريم يريد عبر هذه القصص بناء "أخلاق القوة".
 
لقد رأى العالم مرة أخرى في غزة ما معنى أن تصبح القوة بيد أشخاص لا يتمتعون بأخلاق القوة. فقد فعلت إسرائيل مجددا ما سبق لها فعله في الماضي في دير ياسين وجنين وصبرا وشاتيلا وبرج البراجنة وبيت حانون ولبنان والكثير غيرها. لقد أمطرت الموت على أناس أبرياء دون أي تفريق بين نساء ورجال وشيوخ وشبان وقتلت 1366 شخصا وجرحت نحو 6000 آخرين أصيب 1500 منهم بعاهات مستديمة. ولم تكتفي إسرائيل بالقتل فقط بل أبادت مزارع الحيوانات والإسطبلات وأقنان الدجاج ومزارع الزيتون والبرتقال كما هدمت كل البنى التحتية لغزة البالغ تعداد سكانها حوالي مليون ونصف مليون نسمة وحولت شريط غزة بأسره إلى شريط موت وتخبرنا التوراة بأن هذه ليست المرة الأولى التي يقدم فيها بنو إسرائيل على فعل ذلك: "وحرّموا كل ما في المدينة من رجل وامرأة، من طفل وشيخ، حتى البقر والغنم والحمير بحد السيف" (يشوع 6/21). وكما هو واضح فإن شيئا لم يتغير رغم مرور آلاف السنين.
 
قبل العدوان كانت غزة تزرح تحت وطأة حصار جائر منذ 20 شهرا ولم يكن يُسمح لها حتى بتلبية احتياجات الطعام الأساسية. ورغم أنه كان يجب دخول مائة ألف شاحنة لتلبية الاحتياجات الشهرية للقطاع من طعام ومأوى إلا أن عدد الشاحنات الذي دخل غزة خلال الحصار انخفض إلى 1600 وقبل بدء العدوان الإسرائيلي كانت غزة تئن تحت وطأة مجزرة صامتة حيث وصل عدد الأشخاص الذين يقضون يوميا بسبب نقص الغذاء والدواء بفعل الحصار إلى 50 شخصا. ولو أن حماس لم تقم بمحاولة للخروج من دوامة الموت الصامت عبر قيامها بمناورة بارعة فمن يدري كم من الأشخاص كان سيموت أيضا بصمت أمام أنظار العالم. وبالطبع لم تكن إسرائيل ستعتبر مسؤولة عمن يموتون بسبب الحصار، والأنكى من ذلك أن الجميع كان سيتابع من مكانه موت غزة الصامت. إلا أن هذا لم يحدث.
 
لقد كان في حسابات إسرائيل المدججة بالسلاح القضاء على المقاومة في غزة مدعومة بشكل مباشر من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي وبشكل غير مباشر من عباس ومصر والأردن إلا أن جميع حساباتها انقلبت رأسا على عقب. فغزة أعطت العالم مرة أخرى رسالة مفادها أن "الشجاع يموت لكن الشجاعة لا تموت" وأظهرت مرة أخرى أن الجهاد فرض مكتوب لتثبت صدق البشرى الإلهية "وبشر الصابرين" كما أظهرت مرة أخرى أيضا كيف أن يكون الإنسان مظلوم وضحية هو نعمة.
 
لقد تجلى اسم الحي في غزة لدرجة أنها غدت وكأنها "نفخة صور" أحيت أرواح الأمة الميتة، ولكم نفضت غزة تراب الموتى من على جثث الأحياء. لقد أظهرت غزة بأن حياة الأمة الإسلامية الممزقة رهن بوحدتها فقد استنهضت جميع المؤمنين بأبيضهم وأسودهم، بغنيهم وفقيرهم، بعالمهم وجاهلهم، المؤمن وغير المؤمن، المصلي وغير المصلي، الشاب والشيخ، الشرقي والغربي وبدأ السباق لمساعدة غزة.
 
كنا نعتقد بأننا نحن من نساعد غزة بتكديس الغذاء والدواء لإشباع بطونهم الجوعى وتضميد جراحاتهم لكن في الحقيقة كانت غزة هي التي تساعدنا. ففي الوقت الذي استنفرنا فيه لإشباع بطونهم الخاوية اصطفوا هم على درب الشهادة لإشباع أرواحنا الجائعة. وفي الوقت الذي استنفرنا فيه القوى لتضميد جراحهم البدنية استنفروا هم لتضميد جرحنا المعنوية. وفي الوقت الذي كنا نساعدهم في دنياهم كانوا هم يساعدونا لآخرتنا. لقد أنفقنا من أموالنا وأنفقوا هم من أرواحهم. لقد تصدقنا بنقودنا وتصدقوا هم بأجسادهم بأيديهم، بأقدامهم، بأذرعهم، بأرجلهم، بأعينهم، بقدرتهم على الحركة. لقد علمونا العطاء والتقاسم وجعلونا ندرك كم الوحدة عزة وصواب.
 
والآن قولوا: أغزة هي التي ساعدتنا أم نحن الذين ساعدنا غزة؟ أيهما أعظم مساعدتنا لغزة أم مساعدتها لنا؟
 
لم يكن هناك توازن بالقوى وكان الفرق بالأرقام بين الجانبين كبير جدا لدرجة أن المنطق كان يرفض منذ البداية أي وجه للمقارنة والمقايسة وكان هناك عدم توازن يقلب كافة القواعد الرياضية رأسا على عقب. الطائرات من الجو والدبابات من الأرض والسفن الحربية من البحر كانت تمطر قطعة أرض صغيرة بآلاف الأطنان من السلاح. لقد أحيطت غزة بالأعداء من أربع جهات: إسرائيل من ثلاث جهات والنظام المصري من الجهة الرابعة بتواطئه القبيح معها. والمنطقة الواقعة تحت الاحتلال منذ نحو نصف قرن تركت لتموت تحت الحصار. وبالمقابل كان السلاح الوحيد عبارة عن صواريخ من أنابيب "صنع منزلي يدوي". هذا كل شيء. وأولئك الأشخاص سيحاربون بأنفسهم. يا للعجب، لقد كانوا يدافعون كالأسود ليس فقط عن أنفسهم بل عنا جميعا لمواجهة قطاع الطرق الدوليين الذين يطلق عليهم اسم رابع جيش في العالم. إن القوة المهاجمة لم تتمكن من تحقيق أي من الأهداف التي خططت لها فهي لم تتمكن من احتلال غزة ولم تتمكن من وقف إطلاق الصواريخ ولم تعثر على الجندي الأسير وحتى أنها لم تتمكن من دخول أحياء القطاع وفي نهاية المطاف انسحبت معلنة وقف إطلاق النار من جانب واحد. العالم كله هب من أجل غزة من شافيز في فنزويلا إلى موراليس في بوليفيا واصطف كل ذي ضمير لتقديم المساعدة وحتى أن بعض اليهود العادلين باتوا يصفون إسرائيل بأنها "دولة قراصنة تعيش على أرض مسروقة".
 
في غزة فهمنا مرة أخرى بشكل خاص معنى الوعد الإلهي في بدر: "إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ" (الأنفال9).
 
كيف يمكن فهم هذه المساعدة إن ملكا واحدا يكفي بل يزيد فلماذا ألف ملك؟ هل كانت الملائكة تركب جيادها وتشتبك مع المشركين وجها لوجه؟ بالطبع لا فهذا يناقض سنة الله. والقرآن هو من يخبرنا بذلك: "وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى? قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ" (يس 28). ونحن نفهم ماهية هذه المساعدة في آية أخرى: "وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى? وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُم"ْ(الأنفال10). وكما يفهم من الآية التالية أيضا: "إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى? قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ. إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ? سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ" (الأنفال 11-12).
 
إن الأمنة أو "الطمأنينة الداخلية" التي ينزلها الله على قلب يعقل والإرادة الفولاذية (التثبيت) التي تجعل الإنسان يقف ثابتا منتصبا هي بعينها الملائكة المقصودة بالمساعدة الإلهية. ولندرك ذلك يكفي أن نعلم بأن الإنسان لا يستمد قوته ومقاومته من عضلاته بل من قلبه. وجميعنا شهد ذلك في مقاومة غزة. كما اختبرنا ذلك شخصيا عند زيارتنا المنطقة في أشد أيام الهجوم عنفا. كانت هناك أم فلسطينية أحضرت للتو لأحد المشافي الفلسطينية وكانت مصابة بشلل في طرفها السفلي كانت تقول "أنا أم لخمس شهداء". وهي لم تكن تقل ذلك بحزن وإنما بفخر وكانت تضيف: "لقد رميت بنفسي أنا المرأة المسنة أمام الدبابة وبدأت بالتكبير وكان جندي الاحتلال يرتجف خوفا داخل دبابته". كان واضحا أن تلك المرأة المسنة التي أصيبت بشلل نصفي لم تكن تتحدث عبثا عندما كانت تقول "النصر لنا". وفي نفس المشفى وقفت بجانب رجل مسن أحضر الآن من موقع الحرب. سألته: "كيف حدثت الواقعة!" وكنت أقصد بسؤالي ماذا حصل لك وكيف أصبت وكانت إجابته كافية لإظهار لماذا يت 

الطقس اليوم

أنقرة

Scattered clouds
  • Scattered clouds
  • درجة الحرارة: 21 °C
Reported on:
خميس, 04/17/2014 - 14:50

القاهرة

سماء صافية
  • سماء صافية
  • درجة الحرارة: 26 °C
Reported on:
خميس, 04/17/2014 - 15:00

القائمة البريدية

! اشترك لتصلك آخر اخبارنا

لَقِّم المحتوى

بحث فى الأرشيف

Format: 2014-04-17